محمد متولي الشعراوي
6223
تفسير الشعراوى
إذن : فالحق سبحانه خلق الإنسان وسخّر له كل الأجناس ، ولم يجبره على الإيمان ، بل يقول سبحانه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : لَعَلَّكَ باخِعٌ « 1 » نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ الشعراء ] وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم محبّا مخلصا لقومه وعشيرته ، وذاق حلاوة الإيمان ، وحزن لأنهم لم يؤمنوا ، فينبهه الحق سبحانه وتعالى أن عليه مهمة البلاغ فقط ، فلا يكلّف نفسه شططا « 2 » . والحق سبحانه وتعالى شاء أن يجعل للإنسان حقّ الاختيار وسخّر له الكون ، ومن الناس من يؤمن ، ومن الناس من يكفر ، بل ومن المؤمنين من يطيع مرة ، ويعصى أخرى ، وهذه هي مشيئة الحق ليتوازن الكون ، فكل صفة خيّرة إن وجد من يعارض فيها فهذا ما شاءه اللّه سبحانه وتعالى للإنسان ، فلا تحزن يا رسول اللّه ؛ فالحق سبحانه وتعالى شاء ذلك . وإن غضب واحد من أن الآخرين لم يعترفوا بصفاته الطيبة نقول له : إن الحق سبحانه هو خالق الكون وهو الرازق ، قد كفروا به وألحدوا ، وجعلوا له شركاء ، فتخلّقوا بأخلاق اللّه ؟ ولذلك قال الحق سبحانه :
--> ( 1 ) باخع : أي : مهلك نفسك ، أي : مما تحرص وتحزن عليهم لعدم إيمانهم . وهذه تسلية من اللّه سبحانه وتعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار . كما قال تعالى : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ . . ( 8 ) [ فاطر ] . وكقوله سبحانه : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ . . ( 6 ) [ الكهف ] . قال مجاهد وعكرمة وآخرون : باخع نفسك : أي : قاتل نفسك . وقد قال الشاعر : ألا أيهذا الباخع الحزن نفسه * لشئ نحتّه عن يديه المقادر [ ذكره ابن كثير في تفسيره ( 3 / 331 ) ] بتصرف . ( 2 ) الشطط : الجور ومجاوزة القدر في كل شئ ، والمقصود : لا تظلم نفسك ، ولا تتجاوز الحد في الحزن عليهم . ومنه قوله تعالى عن الخصمين اللذين طلبا حكم داود بينهما ، فقالا له : . . فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ( 22 ) [ ص ] .